محمد بن جرير الطبري
218
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
والله أثقلُ وأطولُ . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة ، فقال : هل مع هذا غيرُه يا محمد ؟ قال : نعم ، ( ألمر ) ، قال : فهذه والله أثقل وأطولُ ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة . ثم قال : لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمَّد ، حتى ما ندري أقليلا أعطيتَ أم كثيرًا ؟ ثم قاموا عنه . فقال أبو ياسر لأخيه حُيي بن أخطب ، ولمن معه من الأحبار : ما يُدْريكم لعلَّه قد جُمع هذا كله لمحمد ، إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومائة ، ومائتان وإحدى وثلاثون ، ومائتان وإحدى وسبعون ، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون ! فقالوا : لقد تشابه علينا أمره ! ويزعمون أنّ هؤلاء الآيات نزلت فيهم : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) ( 5 ) .
--> ( 5 ) الحديث 246 - هذا حديث ضعيف الإسناد ، رواه محمد بن إسحاق بهذا الإسناد الضعيف ، وبأسانيد أخر ضعاف : فرواه في السيرة ، التي هذبها عبد الملك بن هشام النحوي البصري ، ورواها عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق ، وعرفت واشتهرت بأنها " سيرة ابن هشام " . وابن هشام هذا : ثقة ، وثقه ابن يونس وغيره ، مات سنة 218 . وشيخه زياد البكائي : ثقة ، من شيوخ أحمد . و " البكائي " ، بفتح الباء وتشديد الكاف : نسبة إلى " البكاء " ، وهو : ربيعة بن عامر بن صعصعة . فقال ابن هشام 2 : 194 - 195 ( 2 : 35 - 37 من الروض الأنف شرح السيرة ) : قال ابن إسحاق : وكان ممن نزل فيه القرآن بخاصة من الأحبار وكفار يهود ، الذين كانوا يسألونه ويتعنتونه ، ليلبسوا الحق بالباطل ، فيما ذكر لي عن عبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله بن رئاب : أن أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم . . . " . فهذا إسناد ضعيف ، جهله ابن إسحاق ، فجاء به معلقًا بصيغة التمريض . وفيه أن الرواية عن ابن عباس وجابر ، معًا . ورواه البخاري في التاريخ الكبير ، في ترجمة " جابر بن عبد الله بن رئاب " 1 / 2 / 207 - 208 بثلاثة أسانيد ، بعادته الدقيقة المتقنة ، في الإيجاز والإشارة إلى الأسانيد وعللها : وأولها : " حدثني عمرو بن زرارة ، قال : حدثنا زياد : قال ابن إسحاق : حدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعكرمة ، عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله : أن أبا ياسر بن أخطب مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو ( ألم . ذلك الكتاب ) " . فهذه هي إشارة البخاري إلى الإسناد الأول من الثلاثة الأسانيد . و " زياد " في هذا الإسناد : هو البكائي . فهذا إسناد صحيح إلى ابن إسحاق . ولكن فيه الضعف بجهالة أحد رواته " مولى لزيد بن ثابت " . وهو كإسناد السيرة : عن ابن عباس وجابر معًا . ولعل عمرو ابن زرارة - شيخ البخاري - روى السيرة عن البكائي ، كما رواها عنه ابن هشام . وثانيها : " وقال سلمة : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد ، عن ابن عباس : ( ألم . ذلك الكتاب ) - بطوله " . وهذه إشارة البخاري إلى الإسناد الثاني . يريد أنه رواه سلمة - وهو ابن الفضل الذي في إسناد الطبري هنا - عن ابن إسحاق . ولم يذكر لفظ الحديث ، اكتفاء بهذه الإشارة إليه . وابن إسحاق - في هذا الإسناد - يرويه عن " محمد بن أبي محمد " ، وهو الأنصاري المدني ، مولى زيد بن ثابت . زعم الذهبي في الميزان أنه " لا يعرف " ! وهو معروف ، ترجمه البخاري في الكبير 1 / 1 / 225 فلم يذكر فيه جرحًا ، وذكره ابن حبان في الثقات . وكفى بذلك معرفة وتوثيقًا . ولعله هو " مولى زيد بن ثابت " الذي أبهم في الإسناد الأول . ولكن اضطرب هذا الإسناد على ابن إسحاق ، أو على سلمة بن الفضل - فكانت الرواية فيه : عن عكرمة ، أو سعيد ، يعني ابن جبير ، على الشك . ثم كانت عن ابن عباس ، دون ذكر " جابر بن عبد الله بن رئاب " . ثالثها : " وعن ابن إسحاق : كان مما نزل فيه القرآن من الأحبار ، فيما حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب : مر أبو ياسر بن أخطب بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو ( ألم ) ، بطوله - في الحساب " . وهذه الرواية الثالثة ، بالإسناد الذي عند الطبري هنا . تابعة للرواية الثانية ، عن سلمة بن الفضل ، عطفها عليها بقوله " وعن ابن إسحاق " ، ليست تعليقًا جديدًا . وأشار البخاري - بصنيعه هذا - إلى اضطراب الرواية على سلمة بن الفضل ، بين هذا وذاك . ولذلك ذهب إلى جرح " سلمة " بهذا الاضطراب ، فقال عقب ذلك : " قال علي [ يريد به شيخه علي بن المديني ، إمام الجرح والتعديل ] : ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديث سلمة " . وقال في ترجمة سلمة 2 / 2 / 85 : " سلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الرازي الأنصاري ، سمع محمد بن إسحاق ، روى عنه عبد الله بن محمد الجعفي . عنده مناكير . يقال : مولاهم . مات بعد التسعين . وهنه علي " ، يعني شيخه ابن المديني . ويعني أن سلمة مات بعد سنة 190 . وقال في التاريخ الصغير ص 217 : " مات سلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الرازي الأنصاري بعد تسعين ومائة . قال علي [ يعني ابن المديني ] : رمينا بحديثه قبل أن نخرج من الري . وضعفه إسحاق بن إبراهيم " . وقال في ترجمته أيضًا ، في كتاب الضعفاء ( ص 16 ) : " سمع محمد بن إسحاق ، روى عنه عبد الله بن عمر بن أبان ومحمد بن حميد . ولكن عنده مناكير . وفيه نظر " . وأنا أذهب إلى توثيق سلمة بن الفضل ، فقد وثقه ابن معين ، فيما رواه ابن أبي حاتم في كتابه ، وله عنده ترجمة جيدة وافية 2 / 1 / 168 - 169 . وروى أيضًا عن جرير ، قال : " ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق - من سلمة بن الفضل " . وقد رجحت توثيقه أيضًا في شرح المسند : 886 . وعندي أن هذا الاضطراب إنما هو من ابن إسحاق ، أو لعله رواه بهذه الأسانيد كما سمعه . وكلها ضعيف مضطرب . وأشدها ضعفًا الرواية التي هنا ، والتي أشار إليها البخاري : من رواية الكلبي عن أبي صالح . ولله در الحافظ ابن كثير ، فقد وضع الحق موضعه ، حين قال في التفسير 1 : 69 - 70 : " وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفن والملاحم - فقد ادعى ما ليس له ، وطار في غير مطارد ! وقد ورد في ذلك حديث ضعيف ، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته " . ثم نقل هذا الحديث من هذا الموضع من الطبري - ثم قال : " فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي ، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ، ثم كان مقتضى هذا المسلك - إن كان صحيحًا : أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها . وذلك يبلغ منه جملة كثيرة . وإن حسبت مع التكرار ، فأطم وأعظم ! ! " . ومحمد بن السائب الكلبي : ضعيف جدا ، رمى بالكذب ، بل روى ابن أبي حاتم في الجرح 3 / 1 / 270 - 271 في ترجمته ، عن أبي عاصم النبيل ، قال : " زعم لي سفيان الثوري قال : قال لنا الكلبي : ما حدثت عنى عن أبي صالح عن ابن عباس ، فهو كذب ، فلا تروه " . وقال أبو حاتم : " الناس مجتمعون على ترك حديثه ، لا يشتغل به ، هو ذاهب الحديث " . والطبري نفسه قد ضعفه جدا ، فيما مضى : 66 إذ أشار إلى رواية عن ابن عباس : " روى جميع ذلك عن ابن عباس ، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله " ، ثم ذكر أن الذي روى ذلك " الكلبي عن أبي صالح " . ووصف الحديث : 72 الذي رواه من طريقه ، بأنه " خبر في إسناده نظر " . فكان عجبًا منه بعد هذا ، أن يحتج بهذه الروايات المتهافتة ، ويرضى هذا التأويل المستنكر ، بحساب الجمل ! إذ يختار فيما سيأتي ( هذه الصفحة سطر : 8 وما بعدها ) ، أن هذه الأحرف تحوي سائر المعاني التي حكاها إلا قولا واحدًا غير هذا المعنى المنكر . بل هو يصرح بعد ذلك ص : 222 سطر : 8 أن من المعاني التي ارتضاها : أنهن " من حروف حساب الجمل " ! ! وقد نقل السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور 1 : 22 ، و 2 : 4 - 5 ، ووصفه في الموضع الأول بالضعف . وكذلك نقله الشوكاني 1 : 20 ، وضعفه . وقوله في آخره : " ويزعمون أن هؤلاء الآيات . . " - هو من تتمة الرواية . وهو من كلام ابن إسحاق حكاية عمن روى عنهم .